سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فَالْتَقَمَه الْحُوتُ وهُوَ مُلِيمٌ ) * أي بعد أن وقعت القرعة عليه ، ألقى بنفسه في البحر ، « فالتقمه الحوت » أي : ابتلعه بسرعة : يقال : لقم فلان الطعام - كسمع - والتقمه ، إذا ابتلعه بسرعة ، وتلقّمه إذا ابتلعه على مهل . وجملة « وهو مليم » حالية في محل نصب ، أي : فالتقمه الحوت وهو مكتسب من الأفعال ما يلام عليه ، حيث غادر قومه بدون إذن من ربه . يقال : رجل مليم ، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال ما يلام عليه ، وهو اسم فاعل من آلام الرجل ، إذا أتى ما يلام عليه . * ( فَلَوْ لا أَنَّه كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِه إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * أي : فلو لا أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين للَّه - تعالى - المداومين على ذكره . لولا هذا التسبيح للبث يونس في بطن الحوت إلى يوم القيامة . فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر اللَّه - تعالى - وتسبيحه . . سبب في تفريج الكروب ، وإزالة الهموم ، بإذن اللَّه ورحمته . وفي الحديث الشريف : « تعرف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة » . ورحم اللَّه الإمام القرطبي فقد قال : « أخبر اللَّه - عز وجل - أن يونس كان من المسبحين ، وأن تسبيحه كان سبب نجاته ، ولذا قيل : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر . وفي الحديث الشريف : « من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل » فليجتهد العبد ، ويحرص على خصلة من صالح عمله ، يخلص فيها بينه وبين ربه ، ويدخرها ليوم فاقته وفقره ، ويسترها عن خلق اللَّه ، لكي يصل إليه نفعها وهو أحوج ما يكون إليه « 1 » . فنبذناه بالعراء وهو سقيم ، والنبذ : الطرح ، والعراء : الخلاء . أي : أن يونس - عليه السلام - بعد أن التقمه الحوت أخذ في الإكثار من تسبيحنا ومن دعائنا ، فاستجبنا له دعاءه ، وأمرنا الحوت بطرحه في الفضاء الواسع من الأرض . وجملة « وهو سقيم » حالية . أي : ألقيناه بالأرض الفضاء حالة كونه عليلا سقيما ، لشدة ما لحقه من تعب وهو في بطن الحوت . * ( وأَنْبَتْنا عَلَيْه شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) * أي : ومن مظاهر رحمتنا به ، أننا جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكي تظلل عليه وتمنع عنه الحر .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 127 .